ابن الجوزي
108
صفة الصفوة
وعن أبي معشر قال : رأيت أبا حازم لم يقصّ في المسجد ويبكي ويمسح بدموعه وجهه . فقلت : يا أبا حازم لم تفعل هذا ؟ قال : بلغني أن النار لا تصيب موضعا أصابته الدموع من خشية اللّه تعالى . وعن سفيان قال : قال أبو حازم : ينبغي للمؤمن أن يكون أشدّ حفظا للسانه منه لموضع قدميه . وعن سعيد بن عامر قال : قال أبو حازم نعمة اللّه فيما زوي « 1 » عني من الدنيا أفضل من نعمته فيما أعطاني منها . وقال أبو حازم : إن وقينا شرّ ما أعطينا لم نبال ما فاتنا . وقال ابن عيينة : قال أبو حازم : إن كان يغنيك من الدنيا ما يكفيك فأدنى عيش من الدنيا يكفيك ، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس شيء يكفيك . وعن عبد الجبار بن عبد العزيز بن أبي حازم قال : حدثني أبي قال : بعث سليمان بن عبد الملك إلى أبي حازم فجاءه فقال : يا أبا حازم ما لنا نكره الموت ؟ قال : لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب قال : صدقت ، فكيف القدوم على اللّه عزّ وجل ؟ قال : أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله وأما المسئ فكالآبق يقدم على مولاه . فبكى سليمان وقال : ليت شعري ما لنا عند اللّه يا أبا حازم ؟ قال : أعرض نفسك على كتاب اللّه عزّ وجل فإنك تعلم ما لك عند اللّه قال : يا أبا حازم وأنى أصيب ذلك ؟ قال : عند قوله إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [ سورة الانفطار آية : 14 ] فقال سليمان : فأين رحمة اللّه ؟ قال قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [ سورة الأعراف آية : 56 ] قال : ما تقول فيما نحن فيه ؟ قال . أعفني عن هذا . قال سليمان : نصيحة تلقيها . قال أبو حازم : إن أناسا أخذوا هذا الأمر عنوة من غير مشاورة من المسلمين ولا اجتماع من رأيهم فسفكوا فيه الدماء على طلب الدنيا ثم ارتحلوا عنها فليت شعري ما قالوا وما قيل لهم ؟ فقال بعض جلسائه : بئس ما قلت يا شيخ . قال أبو حازم : كذبت ، إن اللّه تعالى أخذ على العلماء ليبيننّه للناس ولا يكتمونه . قال
--> ( 1 ) زوى الشيء : أبعده وطواه ونحاه .